محمد بن جرير الطبري

371

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فهو لله طاعة وللشياطين معصية . وليس ذلك لحاجة بالله إلى أحد من خلقه ، ولكن ذلك كقول العرب : " عندي لك قرض صدق وقرض سوء " : للأَمر يأتي فيه للرجل مسرته أو مساءته ، كما قال الشاعر : كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا * أو سيئا ومدينا بالذي دانا فقرض المرء : ما سلف من صالح عمله أو سيئه . وهذه الآية نظيرة الآية التي قال الله فيها تعالى ذكره : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال : هذا في سبيل الله ، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً قال : بالواحد سبعمائة ضعف . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن زيد بن أسلم ، قال : لما نزلت : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً جاء أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، ألا أرى ربنا يستقرضنا مما أعطانا لأَنفسنا ؟ وإن لي أرضين إحداهما بالعالية ، والأَخرى بالسافلة ، وإني قد جعلت خيرهما صدقة قال : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " كم من عذق مذلل لأَبي الدحداح في الجنة " . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهذه الآية ، قال : أنا أقرض الله فعمد إلى خير حائط له ، فتصدق به . قال : وقال قتادة : يستقرضكم ربكم كما تسمعون وهو الولي الحميد ، ويستقرض عباده . حدثنا محمد بن معاوية الأَنماطي النيسابوري ، قال : حدثنا خلف بن خليفة ، عن حميد الأَعرج ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : لما نزلت : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال أبو الدحداح : يا رسول الله ، أو إن الله يريد منا القرض ؟ قال : " نعم يا أبا الدحداح " . قال : يدك قبل فناوله يده . قال : فإني قد أقرضت ربي حائطي حائطا فيه ستمائة نخلة . ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها ، فناداها : يا أم الدحداح قالت : لبيك قال : أخرجي قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمائة نخلة . أما قوله : فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً فإنه عدة من الله تعالى ذكره مقرض ومنفق ماله في سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قرضه ونفقته ما لا حد له ولا نهاية . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً قال : هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو . وقد حدثني المثنى ، قال : حدثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن عيينة ، عن صاحب له يذكر عن بعض العلماء ، قال : إن الله أعطاكم الدنيا قرضا وسألكموها قرضا ، فإن أعطيتموها طيبة بها أنفسكم ضاعف لكم ما بين الحسنة إلى العشر إلى السبعمائة إلى أكثر من ذلك ، وإن أخذها منكم وأنتم كارهون فصبرتم وأحسنتم كانت لكم الصلاة والرحمة وأوجب لكم الهدى . وقد اختلفت القراء في قراءة قوله : " فيضاعفه " بالأَلف ورفعه ؛ بمعنى : الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ، نسق " يضاعف " على قوله " يقرض " . وقرأه آخرون بذلك المعنى " فيضعفه " ، غير أنهم قرءوا بتشديد العين وإسقاط الأَلف . وقرأه آخرون فَيُضاعِفَهُ